محمد متولي الشعراوي

2610

تفسير الشعراوى

[ سورة النساء ( 4 ) : آية 107 ] وَلا تُجادِلْ عَنِ الَّذِينَ يَخْتانُونَ أَنْفُسَهُمْ إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ مَنْ كانَ خَوَّاناً أَثِيماً ( 107 ) وسبحانه يريد أن يشبع هذه القضية بحثا ، فقد كان يكفى أن يقول لنا ما سبق . لكنه يريد أن يحسم مثل هذه الأمور ؛ فلا مجادلة في الذين يختانون أنفسهم . والجدل كما نعرف هو الفتل . وحين يفتل الإنسان شيئا ، مثل أن يحضر بعضا من الشعر أو الصوف أو الليف ويجدلها ليصنع حبلا ، فهو يفتل هذا الغزل ليقويه ويجعله غير هش وقابلا للشد والجذب ، ولذلك يقال عن مثل هذه العملية : إننا نجدل الحبل حتى نعطيه القوة . وكذلك شأن الخصمين ؛ كل واحد منهما يريد تقوية حجته ، فيحاول جاهدا أن يقويها بما يشاء من أساليب لىّ القول ولحنه أو الفصاحة في الأسلوب . لذلك يأتي الأمر إلى الرسول : لا تقو مركز أي إنسان يختان نفسه . والقرآن حين يعدل عن يخونون أنفسهم إلى « يَخْتانُونَ أَنْفُسَهُمْ » ، فلا بد أن لهذا معنى كبيرا ؛ لأن الخيانة هي أن تأخذ غير الحق . ومن المحتمل أن يخون الإنسان غيره ، لكن أمن المعقول أن يخون الإنسان نفسه ؟ إن مثل هذه العملية تحتاج إلى افتعال كبير ، فقد يخون الإنسان غيره من أجل مصلحة نفسه ، أو ليعطى نفسه شهوة ومعصية عليها عقوبة ، وهذه خيانة للنفس ؛ لأن الإنسان في مثل هذه الحالة يغفل عن العقوبة الآجلة بالشهوة العابرة العاجلة . وهكذا نرى أن الذي يخون الناس إنما يخون - ضمنا - مصلحة نفسه . وإذا ما خان الإنسان نفسه فهذا ليس سهلا ويتطلب افتعالا ، ولذلك يقول الحق : « وَلا تُجادِلْ عَنِ الَّذِينَ يَخْتانُونَ أَنْفُسَهُمْ إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ مَنْ كانَ خَوَّاناً أَثِيماً » . والآية التي تحدثت من قبل ذلك عن هذا الموقف لم تأت بكلمة « خوانين » ولكن جاءت بالخائنين ، وهنا يأتي الحق بكلمة خوّان . وفيه فرق بين « خائن » ، و « خوّان » ، فالخائن تصدر منه الخيانة مرة واحدة ، أما الخوّان فتصدر منه الخيانة